ُ الإحْسَان

فِي  تَهْذِيْبِ  رُّوحِ وَنفس الإنسان 

(download PDF format)

تأليف

المفتي العام الدكتور عبد الوهاب زاهد

إمام مركز ومسجد أبي بكر الصديق  " جنجو ، كوريا

 

مقدمة البحث

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله نحمده ونؤمن به ونستعينه ، ونشهد أنه لا إله إلا هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد لا شريك له ملكه وألوهيته سبحانه ، ونشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الخاتم  صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عن أهل بيته الطاهرين  وأصحابه الغرِّ المحجلين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم  الدين ، أما بعد :  

 

    فإننا نحن المسلمون أصحاب روحانيَّات عالية كريمة ، قد جاء بتعاليمها القرآن الكريم ليهذبنا  بها ، وننال أعلى الدرجات في السمو الروحي والطهارة النفسية ، دون فلسفة .

 

     وهذا رسول الله محمد  صلى الله عليه وسلم قد  طبقها تطبيقاً عملياً ، في مسار حياته ، ورغبنا بأقواله وأفعاله وصفاته في العمل عليها وتطبيقها  دون مغالات " أي دون أفراط ولا تفريط " وسوف أقدم للقارىء الكريم عناية الإسلام في روح وتهذيب نفس الإنسان مع المحافظ على جنسيته الإنسانية التي خلقها الله من روح مادة ،  وقد قسمت موضوعي هذا إلى العناصر التالية :

 

 1 – نظرة الإسلام مختصرة لفلسفة الروحانية عند الفلاسفة غير

        المسلمين      

 2 – الإحسان  " تهذيب الروح والنفس )

3  – تعريف الروح  

  4 – النفس  

 5 – الفرق بين الروح والنفس .

6 - مراتب النفس .

7 – طرق تهذيب هذه النفس .

 8 – الختام

 

     سائلاً المولى سبحانه إن يشرح الصدر ويحلل عقدة لساني ليفهموا قولي الذي أردت به بيان الحقيقة لمن ألقى السمع وهو شهيد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

 

1 – نظرة مختصرة لفلسفة الروحانية

عند الفلاسفة غير المسلمين

 

           فقد أسس الفلاسفة لفلسفة الروحانية قاعدة هي أن الشهوة النابعة من المادة  شر بعينها ، ولا يمكن للإنسان أن يكون صالحاً سعيداً إلا إذا تخلص من تلك المادة التي هي أساس الشهوات ، واتفقوا على التخلص من تلك المادة ، والعمل على سمو الروح عن الشهوات المادية ، فاختاروا طريق العزلة والإنقطاع  والرهبنة ،  واختلفوا في الطرق التي تتهذب بها النفس وتسموا بها الروح بعد أن اتفقوا على العزلة .

     

        1 – من الفلاسفة من أعتبر الإنسان ملوثاً في خطيئة الأولة التي ارتكبها آدم وحواء الأولى ، وقد ولد هذا الإنسان من بعد آدم ملوثاً بها ، فقامت هذه الفلسفة على فكرة التخلص منها ، فاتخذوا أسلوب الرهبنة " وهي اتخاذ الخلوة والبعد عن الناس ولبس الخشن  من اللباس ، واتخاذ الصوامع في الجبال ، للتنسك والتعبد ، بغاية التخلص من تلك الخطيئة  .

   

      2 -  ومن الفلاسفة ، من اعتبر الجسد المادي أساس الشهوات ، ومنه تنطلق الشهوات المادية ، وهي شرٌّ محض ، ولهذا دعوا للتخلص من ذلك الجسد ، فأسسوا فلسفتهم في تهذيب الروح والنفس ، وأهملوا الجسد المادي ، وسلكوا مسلك التفرغ في المناطق البعيدة النائية عن الناس ، للتفكر في النفس ، وحصر تفكيرهم  في الأفعال الجيدة ، والأفعال السيئة ، والتخلص من الصفات السيئة  ، دون النظر لوجود إله  محاسب أو مثيب أومعاقب  . 

   

     3 -  ومن الفلاسفة من اعتبر أسلوب حرمان النفس من المأكل والمشرب ، يؤدي إلى التخلي عن البدن والجسد المادي الذي هو منبع الشر ، فاتخذوا الأماكن البعيدة عن الناس ، وحرموا أنفسهم من المأكل والمشرب ودعوا إلى الصيام الطويل ، ليس عن المأكل والمشرب فحسب بل عن كل ما هو مباح من النعم المادية التي يتنعم بها الجسد ، وبذلك يتخلص من أدران المادة وشهواتها .

    

   وخلاصة فلسفتهم قامت على أساس اعتبار المادة  شراً ، يجب التخلص منها بأي وسيلة حتى يسمو هذا الإنسان روحاً ،  أي يتحول إلى روح خير ، لا تأثير للمادة عليه ولا فيه   .

 

   ودعوا إلى ترك النعم ، ومحاكات الناس ومخالطتهم ، وصوروا الناجح في ذلك يطير في الهواء ويمشي فوق الماء ، ويفعل المعجزات .

 

     أما الإسلام فإنه يعتبر هذا خرافة ، لا يوجد من يطير ، ولا من يمشي على الأرض مهما فعل بدون إذن من الله وتوفيق منه سبحانه ، وموضوع الطيران في الهواء والمشي على الماء لا علاقة له بتربية الروح وتهذيبها ، ولو كان الأمر كذلك لطار الأنبياء والرسل ، ولكن لم يثبت لأي واحد منهم بأنه طار أو مشى على الماء ،  وهم أفضل الخلق ، وأكرمهم على الله .

 

 وكذلك لم يعتبر الإسلام الجسد المادي شرٌّ محضٌ ، ولا يصدر عنه إلا الشر ، بل اعتبر  هذا الجسد الذي يؤلف من مادة وروح ، يولد من بطن أمه طاهراً نقياً ، وعن رسول الله  صلى  الله عليه وسلم في  صحيح  البخاري أنه قال :  (  مَا مِن مَوْلوُدٍ  إلاَّ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ  ) فطرة الإيمان والطهارة من الذنوب ، وأنه غير ملوث في أي خطيئة .

  

 ، ولكن تلك الفلسفات  صورت ذلك وتخيلت أحوالاً لمن تتهذب روحه وتسمو ، وتتلخص من المادة ،  وقد  قامت تلك الرياضات النفسية على أفكار بشرية ، تدعو إلى الرهبنة والتخلص من ذلك الجسد المادي ، وعدم مخالطة الناس .   

 

    وهذا يتعارض مع سنة الله في خلقه للإنسان ، حيث  ورد في صحيح البخاري عن أنس  رضي الله عنه : أن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤا إلى إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروا عنها ، فتقالوها وقالوا : أين نحن من رسول الله صلىالله  عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أما فأصلي ولا أنام أبداً ، وقال الآخر : أما أنا فأصوم ولا أفطر أبداً . وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج الناساء ، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال لهم " أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني   . "

 

   أردت من هذه القصة الصحيحة عن الصحابة  مع  رسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً واضحاً على أن الإسلام هو دين دنيا وآخرة ، ودين عمل الشريف الطيب في الدنيا ، وعبادة لله وتقديس لعظمة الله ، وبه تتهذب الإخلاق وتسمو الروح ، وقد غرس طرق عديدة لتهذيب الروح وتربية النفس  التي بها يحافظ الإنسان على إنسانيته معتدلاً ، بعيداً عن الغلو في كل شيءٍ ، حيث حرم الغلو بقوله سبحانه وتعالى في سورة المائدة 87 { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } فإن حرمان الإنسان نفسه من الطيبات المباحة حرام ، فللجسد المادي حقه في هذه النعم التي خلقها الله ، وللروح حقها في التلذذ في العبادة والذكر لله وتعظيمه ،  وحرمان الجسد المادي من النعم هذه اعتداء عليه وظلم له ، وغلو في الدين ، وقد حرم الله الغلو في الدين ، قال تعالى في سورة النساء 171 { ولا تغلوا في دينكم } .

 

1 -   أما موضوع العزلة وحكمها في الإسلام :  

     كنا بينا أن الفلاسفة غير المسلمين اعتبروا العزلة أساس في  تربية وتهذيب النفس .

 وأما الإسلام فإنه لا يعتمد على فلسفة ، بل هو تعاليم رب العالمين وخالق الخلق أجمعين وبيده ملكوت السموات والأراضين ، وهو عالم السر وأخفى  منه ، وقد وضع أصولاً حكم العزلة في الإسلام فهو على  قسمين  :

     

1 – يجوز العزلة فيما إذا أجبرالإنسانُ  قهراً على عدم إقامة شعائر دينه  وعبادة ربه ، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعزلة بقوله تعالى في سورة الذاريات 50 { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين }  هذا الفرار أباحه الإسلام من الفتن أو في أيام المحن ، فيما إذا خشي المؤمن تطبيق تعاليم ربه سبحانه  .

 وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب العبد التَّقيَّ الغنيَّ " والمراد من الغني هو غني النفس عن الدنايا والرذائل .

  وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفرُّ بدينه من الفتن " رواه البخاري "

 

2 - كراهية العزلة وفضل مخالطة الناس :

 فقد  اتفق علماء الإسلام على فضل مخالطة الناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ، ومشاهد الخير ، ومجالس الذكر معهم ، وعيادة المريض ، وحضور جنائزهم ، ومواساة محتاجهم ، وإرشاد جاهلهم ، وغير ذلك من مواقع الخير والصلاح ، وعلى ذلك سنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنة والأنبياء والرسل السابقين عليهم السلام وسنة الخلفاء الراشدين والتابعين لهم بإحسان بدون اختلاف.  

 

 

 

 

    3  - عدم الغلو في الدين :

فقد خلق الله الإنسان كما بينا من ماء وطين ، ثم روح  ، قال الله سبحانه في سورة  السجدة  7  (  الذي أحسن كل شيء خلقه , وبدأ خلق  الإنسان  من طين , ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ,ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار  و الأفئدة  قليلاً ما تشكرون   )

    ثم أمره بأن  يُهَذِّب  نفسه  ويسمو  بأرواحه  بواسطة  طاعة لله وتقديسه سبحانه ، دون مغالات  " لا إفراط ولا تفريط  ، وهذا لا يتحقق إلاَّ إذا حافظ الإنسان على إنسانيته المؤلفة من الروح والبدن  معاً ، فالإنسان بالروح والجسد المادي إنسان ، ليس بالروح وحدها ، ولا بالبدن وحده ، بل تشكلت إنسانيته بالروح والبدن المادي ، فلا يجوز أن  يطغوا أحدهما على الآخر  ، ولكل من الروح والجسد المادي حقوقه وخواصه ، وقد خلق الله سبحانه لكلٍ منهما حاجته وما يتناسب معه باعتدال .  

قال  ابن خلدون في مقدمته : إن الإنسان يشارك الحيوانات الأخرى من  الحس  والحركة والغذاء وغير ذلك ، ويمتاز عليها بالفكر الذي تنشأ عنه العلوم والصنائع  )  .

فإلانسان مزيج من المادة والروح ، وقد سنَّ الله له في تشريعه الحكيم  ما يوافق الروح والمادة معاً باعتدال ، دون إفراط ولا تفريط ، وأمر بالعبادة والتقوى وصلاح السريرة وأطلق على منهاج ذلك  " الإحسان "

 

 

 

2 -  الإحسان  " تهذيب الروح والنفس )

 

 

تعريف الإحسان لغة  :

     هو من الحَسَنُ :  هو الشيْ الجيد ، يقال أحسنَ إليهِ وبه ، وهو يُحْسِنُ الشيءَ ويستحسنه ، وحسنَّ الشيءَ تحسناً أي زيَّنَهُ ، وحَسُنَ وحَسَن َ ، حُسْنَاً ، كان جميلاً فهو حَسَنٌ  .

 

  

 

 

 

 

تعريف الإحسان شرعاً :

 

أي تحسن التوجه إليه وبالتقديس والتعظيم  ، وتوحده في الألوهية ، وكأنَّهًُ أمام عينييك  تراه ، من هذا المعنى جاء لفظ الإحسان في الإسلام .

وأما موضوعنا الإحسان فهو من قوله صلى الله عليه وسلم : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "

أي تزين عبادتك لله وتجملها بصدق التوجه والتعظيم والتقديس له سبحانه ، كأنك تراه  .

 

    وموضوع الإحسان في الإسلام هو تربية الروح بما يرفع مقامها عند الله لتنال منزل الإطمئنان بقوله تعالى ( يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية " فتصبح النفس البشرية بتهذيب الروح وتحسين العلاقة بينها وبين خالقها راضية مرضية عند الله في الدارين .

 

  في كتاب حجة الله البالغة يقول العلامة الدهلوي ص 88 : "  إن في الإنسان ثلاث لطائف ، تسمى بالعقل ، والقلب ، والنفس ، وقد ثبت ذلك بالتجربة وأقره العقلاء ، وأقره الكتاب الكريم ، وهذه قصةٌ  ذكرها القرآن عن أصحاب النار بقول الله تعالى في سورة الملك " {  لو  كنا  نسمع  أونعقل ما كنا في أصحاب

 السعير} فالعقثل مكلف ، وبه يتم الإختيار ، ويحاسب يوم القيامه ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أول ما خلق الله تعالى العقل ، فقال له : أقبل ، فأقبل . وقال له : أدبر ، فأدبر . فقال : بك أُؤآخِذُ . "  أي أحاسب ، فأثيب أو أعاقب . 

 

وقال أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفلح من رزق لباً " ( أي عقلاً ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دين المرء عقله ، ومن لا عقل له لا دين له "

 

   والعقل هو الشيءُ الذي يُدْرِكُ بِه الإنسانُ ما لا يُدْركُ بالحواسِ ، وأن القلب هو الشيء الذي به يحب  الإنسان ويبغض ويختار ويعزم .

 

وأن النفس هو الشيء الذي به يشتهي الإنسان ما يستلذه من المطاعم والمشارب والمناكح .

وأما العقل فقد ثبت في موضعه إن في البدن ثلاثة أعضاء رئيسية بها تتم القوى والأفاعيل التي تقتضيها صورة الإنسان ، فالقوى الإدراكية من التخيل والتوهم والتصرف في المتخيلات والمتوهمات ، والحكاية للمجردات بوجه من الوجوه محلها الدماغ  .

 

 والغضب والجرأة والجود والشح والرضا والسخط وما يشبهها محلها القلب ، وطلب ما لا يقوم البدن إلا به أو بجنسه محله الكبد .   "

 

إن الإسلام يعتبر الإنسان مؤلفاً من روح مادة فلا ينفصل إحدهما عن الآخر  .    

 

 

3 -  خلق أصل الإنسان من  طين ( آدم )  .

  خلق الله الإنسان من غير شبيه ولا مثيل سابقٍ ،  وأبدع شكله إبداعاً ، فقد خلقه من طين ، والطين مادة من الأرض ، وهو امتزاج التراب بالماء ، قال الله تعالى  في سورة  السجدة 7 { وبدأ خلق الإنسان من طين } ثم حول هذا الطين إلى صلصال ، قال الله تعالى في سورة الحجر 26 { ولقـد خَلَقْنَا  الإنسانَ من صَلْصَالٍ مِن حمَأٍ مَسْنُونٍ } والصلصال  هو الطين اليابس  ،  والحمأ هو الطين الأسود ، و المسنون هو المتغير .

 

     من  هذا الطين ،  أي  التراب  الممزوج بالماء ، صنع الله منه هيكلاً على شكل الإنسان الحالي ، وتركه حتى صلصل ، ثم نفخ فيه من روحه ، وأصدر أمره كلمة ( كن )  ، قال  الله تعالى  في سورة السجدة  10 : ( ثم سواه ونفخ فيه  من روحه )   بقدرة الله تحول  إلى حياةٍ  إنسانيةٍ ، فيها الحس والشعور والحركة ، وتكون بقدرةِ اللهِ إنساناً أسماه الله آدم ، ثم علمه ليكون أهلاً لحمل الأمانة ، فقال تعالى في سورة البقرة { وعلم آدم الأسماء كلها } .

 

 فلا بد من المحافظة على العنصرين الروح الجسد المادي الذي خلقه الله ، وجعل منهما الإنسان .

وإذا أردنا أن نفهم مهمة الروح والنفس ، ومركزهما في للبدن الذي خلقه الله فلا بد من إلقاء نظرة عامة عن معنى وماهية كل منهما .  

 

 

 

الروح

 

4 – تعريف الروح  :

 

قال  الله تعالى في سورة الإسراء 85 {  ويسألونك  عن الروح قل الروح من أمرِ ربي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً }

 

وأما  معرفة  كنه الروح  :  فقد خاض  قديماً كثير من علماء الإسلام والفلاسفة في محاولة معرفة كنه الروح , فلم يجدوا لها لوناً  ولا رائحة ولا شكلاً , ووقفوا حائرين عاجزين عن  إدراكه ، واعتبروها  قوة  خارقة  يصبح  الجماد  بها حياً  يحسُ ويشعرُ . وقال الإمام حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الإحياء الروح هي " جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينشر بواسطة العروق  الضوارب إلى سائر أجزاء البدن ، وجريانه في البدن ، وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها ، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت  إلاَّ ويستنير به ، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن ، مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه ، والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى . ثم قال أيضا : هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان .[1]

 

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمـه الله  : إذا دخلت الروح الجسد سمي نفساً , وبها  تحسُ  النفسُ  وتشعرُ  وتبصرُ وتسمعُ وتشمُ وتذوقُ .  وقال ابن سينا  : إن  الروح  تمنح الجسد المادي ، بواسطة النفس كل  ما يتخيل ويفكر  ويذكر  .

 

نجد وفاقاً بين الإمام الغزالي و الرازي وابن سينا في تعريف الروح .

 

وقال الإمام القرافي في كتابه الأجوبة الفاخرة : إن الروح اسم  الريح التي بين الخافقين ، يقال لها :

 

1 -  ريح  وروح لغتان .  وكذلك في الجمع : رياح وأرواح .

 

2-  واسم لجبريل عليــه السلام ، وهو المسمى بروح القدس.

 

3 -  والروح الذي بمعنى  النفس المقومة للجسم الحيواني .

 

والحقيقة نحن  مادة  لا ندرك  الاَّ المادة  الملموسة , وكل  ما لا سبيل  لرؤيته  وإدراكه  و نحس به ونؤمن بوجوده , نقول  عنه  شيء  مثالي  أو حِسِّي  أو شعوري , والحس والشعور لا يدركان في الأبصـار لكونهما من عالم المثال والمعاني ..   ليس للروح كيفية خاصة  تتصف  بها , بل  هي من  المحسوسات  وليست من الملموسات ، وما نراه من أرواحٍ في منامنا ، كأرواحِ الآباء فإننا نتخيلُها حسب تصورنا المادي الملموس   .

وهي أمر الله يحول كل شيء جامد إلى حي فيه الحس والشعور  والحركة  ، وقد سأل اليهود محمداً رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الروح ، ولم يجبهم  من عند  نفسه ، فنزل  عليه وحي الله بقوله في سورة الإسراء 85 ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمرِ ربي  وما أوتيتم مـن  العلم  الاّ  قليلا )  كان السؤال عن  ماهية  الروح ، فأجاب الله أن علمها عنده ، ولا أحد يعلمها غيره , وقد علمنا ما نحتاج إليه من علم الروح، وهو الأمر بالخلق ، والإعجاز ، وقوله تعالى :{ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }.

 

يدل هذا  أن علم  الإنسان  قاصر عن إدراك المعنى الحقيقي للروح ، ولا يمنع  أنْ  يَعْلَمَهُ  الإنسانُ  إذا شاء الله له ذلك ،     وبقيت الروحُ سرَّ الله ، عجز الإنسان عن  إدراكه  إلى يومنا  هذا ، وهي معجزة  الله  سبحانه  الدالة  على قدرته وعظمته ،  بقوله تعالى في سورة  يس 82  :  ( إنما أمره إذا  أراد شيئا أن  يقول له  كـن  فيكون   )

 

 

 

 

5- النفس الإنسانية

 

قال تعالى ( ونفس وما سواها ) فالنفس في  الإنسان هي صورته  وهواه ورغباته وشهوته ،  وهي التركيبات  وسائر الصفات الإدراكية , تتحد  النفس مع الجسد المادي  وترتبط به ،  وبها يتلذذ  البدن  المادي  و يحس ويشعر ,  وهي غير الجسد المادي ،  وهـي أثر من آثار  الروح  ، والروح هي التي تمنح النفس  القوة لأداء خواصها , بأمر الله  تعالى ،كما عرفها الإمام فخر الدين  الرازي رحمه الله :  إذا دخلت الروح الجسد سمي نفساً , وبها تحس النفس وتشعر وتبصر وتسمع وتشم وتذوق , ولا يختلف هذا التعريف عن تعريف الإمام ابن سينا رحمه  الله .  فإنها لا تنفصل عن الروح , ولكنها تتحد بها ، وتصبح مع الروح   شيئاً واحداً  , وفي  الأصل هي  غير الروح ,قال الله تعالى في سورة الزمر 42  (  الله يتوفى الأنفس حين موتها , والتي  لم تمت في  منامها  فيمسك التي  قضى عليها  الموت ويرسل الأخرى  ) والتوفي  هنا الأخذ والإمساك , والإرسال هو الإطلاق , وفي ذلك بيان في المغايرة بين   النفس والبدن , والمغايرة   بين  الروح  والنفس يقول  أبو علي  مسكويه ( المتوفي 421 هـ)   النفس  هي :   ( قوة  إلهية غير جسمانية  ) .

وقال الإمام حامد الغزالي رحمه الله: النفس لطيفة ربانية ) والمراد من القوة  الإلهية أنها تستمد قوتها من الله , وبإرادته سبحانه تؤدي وظيفتها  عن طريق  الروح , وهي مرتبطة بالبدن لا تفارقه  إلا بمشيئة  الله , وهذا الربط  بين النفس والبـدن لا يمكن التحكم فيـه , فالنفس متعلقة بالبدن  وتتغيير بتغيره  , من حيث الصحة والمرض .

وعبر الفلاسفة عن النفس بما يلي : فقالوا : ربما وجد أن الفارق ، بين الحي والميت ، بحسب  ظاهر الحس ، هو النَّفَسُ الذي يتنفسُ به  الإنسانُ   ما دام حياً ,فإذا فقده الحي مات وفقد حياته ..

أو أن النفسَ  هي ما يحتبسُ البدن من  الدم  الساري في أعضائه وتحت الجلد   ..

أو أن النفس الإنسانية هي الأجزاء الأصلية ، المجتمعة  في النطفة ،  التي يطرق عليها التطور ، من طور لآخر ، حتى يصير إنساناً , وتلك الأجزاء باقـية في البنية البدنية مدى الحياة , وربما ظن أن النفس لا يعتريها التغيير والبطلان  وأن الإنسانية باقية ببقائها , لا تنالها الحدثان و الإنعدام ..

أنكر الماديون والمؤمنون  بالله  من  الفلاسفة  :  تجرد النفس من المادة , واستدلوا عليها بالأبحاث العلمية ، بقولهم  : إن  سلسلة  الأعصاب تؤدى الإدراكات إلى العضو المركزي ، وهو الجزء الدماغي ، على التوالي وبنهاية السرعة , ففي ذلك مجموعة متحدة ، ذات  وضع  واحد  لا يتمَّيز أجزاؤها , ولا يدرك بطلان بعضها , وهذا  الواحد المتحصل  ، هو  نفسنا  التي نشاهدها ونعبر عنها بلفظ  أنا .

ثم قالوا : النفس التي يقام الدليل على تجردها من طريق  المشاهدة  الباطنية هي في  الحقيقة  : مجموعة  من خواص طبيعية (فطرية ) وهي الإدراكات العصبية  التي هي نتائج حاصلة من التأثير والتأثـر المتقابلين بين جزء المادة الخارجية وجـزء المركب العصـبي ، ووحدتها وحـدة اجتماعية لاوحدة واقعية حقيقية

وقد بينا أنها من عالم  المعاني , وإذا قال  : أنا أو نفسي ، فإنه  قال الصواب ، وغير مخطىء  البتـة , وهي حقيقة لاشك بوجودها , لكونه عنى ذلك الجسد المادي الحي ، بما فيه من حواس وإدراكات , وقد قال الله تعالى : ( ونفس وما سواها ) فإنه تعالى عنى بقوله الكائن الحي  مجموعه النفس والبدن ، وبقوله أيضا ( كل نفس ذائقة  الموت ) وذا يدل  على أن  من قال نفسي ، وأراد حقيقته  هو , فهو على صواب ..

وكل ماورد آنفاً من تفسيرات للنفس ، إنما  هي تفسير تنسجم  مع تفكير الإنسان المادي المحض ، وقد أوردت الآراء بياناً لها لا تحقيقاً لماهيتها .

وأما حقيقتها  من حيث  الماهية  ، فقد تاه  العلماء  قديماً وحديثًا  دون  الوصول إلى ماهيتها  , فقد قال  الإمام  الغزالي رحمه ( هي لطيفة ربانية )   مما يؤيد  أن النفس من عالم المحسوسات ، فإنك  تنسب  الأمور  المعنوية    إلى نفسك ..

والأمور النفسية : هي الشعور , والغفلة والنسيان والذاكرة , والذهول والصحوة , هذه كلها صفات نفسية  غير ملموسـة   ولا مادية  ولا ترى بالعين  . ونرى  أنفسنا أحيانا ننسب النسيان إلى النفس فنقول نسيت نفسي , وشعرت بنفسي , وغفلت عن نفسي وذهـلت عنها , هذه  مجازات عن الحالات النفسية مختلفة  ,    والإرتياب والخوف والقلق  , والسرور والسعادة من حالات النفس , فالنفس  إحساس وشعور ، يشعر ويحس الإنسان  به ، ويعبر عنها بأنا  , ومن  ذلك قال الله تعالى في سورة يسن :{ كل نفس ذائقة الموت } .

نفهم من هذه الآية الكريمة ، أن النفس التي تموت ، هي التي  يفقد الجسد المادي حركته وحسه وشعوره ، كما مرَّ  معنا ،  أن الإنسان مركب من ثلاثة عناصر رئيسية ، وهي  الـروح ، والنفس ، والمادة , كلها مرتبطة ببعضها  ارتباطاً وثيقًا ، لا يستغني  إحداها عن  الآخر في  هذه  الحياة , فالنفس تستمد   قوتها من الروح ، والجسد يتمتع بحياته بالنفس  ، فإذا انسلخت الروح عن الجسد ، توقفت النفس ، وفقد  الجسد حياته  قال سبحانه ( ونفسٍ وما سَوَّاها فَألهَمَها فُجُورَها وتقواها )  نفهم مما ذكرناه   آنفاً ، أن الروح هي القوة الواهبة للجسد  سر الحياة ..

 

    وأذكر على ذلك مثلاً مادياً ، لعله يقرب إلى أذهاننا فهم صفة النفس   :   القوة الكهربائية كامنة في جهاز المولد لها ، وتنتقل تلك القوة إلى ما يحتاجه  الإنسان في حياته ، بواسطة أسلاك متصلة بأجهزة خاصة ، لتحويل تلك القوة حسب الحاجة  المطلوبـة ، فمثلاً  جهاز التبريد ، يقوم  في  دوره بتحويل تلك الطاقة إلى برودة  ، ثم تصل نفس الطاقة  إلى جهاز الحرارة  فيعطي ناراً  وحرارة ،  وإلى  جهاز  اللآلات المروحية يحول الطاقة  إلى دوران  الآلات ،  وكذا  مصابيح الإضاءة ،  فإذا توقف المولد للطاقة توقفت جميع الأجهزة الأخرى ، وأصبحت عديمة النفع والفائدة .

 

   والروح هي  السر الإلهي الذي يمنح عن طريق الأعصاب القوة  ، إلى  كل من الإدراكات العقلية ، فيفكر الإنسان ، ويتذكر ، وينسى، ويحب ، ويشتهي ، ويكره ، وإلى جهاز البصر فترى العين ، ومسام الحواس ، فيحس الجلد ويشعر ، وغير ذلك  مما يحتاجه  الجسد  المادي لاستكمال الحياة ، ونستطيع  أن نعبر عن  هذه الأفعال كلهاوالصفات بالنفس ، فالنفس ترى بالعين ، وتسمع  بالأذن ، وتحس  بواسطة  مسام  الجلـد  ،  تتذوق  بواسطة   الخلايا  الموجودة في اللسان ، تلك  الأحاسيس والشعور  والإدراكات العقلية ، بمجموعها  غير  ماديـة  ، و تسمى بالنفس الإنسانية ، فإذا أخذ الله الروح وخلي الجسد منها ، انقطعت تلك الطاقة عن الأسلاك العصبية ، وفقدت تلك الحواس ، فماتت النفس ، التي عبر  الله  عنها  بقوله في سورة آل عمران 185{ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون  أجوركم  يوم  القيمة } 

  وقال أيضاً في سورة ق 21 { وجاءت كل نفسٍ معها سائق وشهيد } وفي سورة  المدثر 38 { كل نفس بما كسبت رهينة } وفي سورة القيامة 2 {ولا أقسم بالنفس اللوامة }  وفي سورة الفجر 27 { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } وفي سورة آل عمران 145{ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً } وكذا آية 161{ ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لايظلمون }  وفي سورة المائدة 32 {  أنه من قتل نفسا بغير نفس أوفساد في  الأرض فكأنما  قتل  الناس  جميعاً } فعن  طريق النفس ينصرف الإنسان  إلى مشاغله البدنية  وأمانيه المادية , وقد قضىبما تقدم أن  النفس أمر مغاير لصورة ( ماهية ) الماديات  لما يشاهد من مغايرةِ خواص نفسه وآثارها ,لخواص الأمور المادية  وآثارها, ونرى اللذائذ المادية الجسدية , لها  تأثيرها  في  النفس , ولا ينكر أحد أن العوامل المادية الداعية  إلى تحريك النفس للميل إلى تلبية حاجة الجسد المادي لها تأثير كبير عليها , فترتقي وتنحط بقدر انشغالها  في  تلبية  متطلبات  الجسم  المادي , أو انصرافها إلى  الإنشغال  في سلوك  ومنهج  الروح بالطاعة والعبادة لله , وبسمو الفضيلة والأخلاقيات السامية  ,,

 

 

6 -  مراتب النفس  :

 

  إن النفس تنخفض  إنحطاطاً  بالمعصية والإصرار على الخطيئة ، وترتقي بالطاعة والعبادة  لله علوا  وسمواً  في مراتبها في هذه الحياة  ، عند ربها سبحانه ، وبلا شك إن النفس واحدة  ، لا تتعدد  ولا تتنوع ، ولها مراتب تنتقل فيها من انحطاط ودنو إلى  علو وسمو ، وبالعكس .

 

 وبناء على ذلك اعتبر الإسلام للنفس ثلاث حالات وهي :  النفس  الأمارة ، والنفس اللوامة ، والنفس المطمئنة ، سوف نذكرها بنوع من التفصيل بإذن الله .

واعتبرهـا الفيلسوف اليوناني أفلاطون ( Plato ) ثلاثة  أنفس 1) وهي  :      

  1 -  النفس العاقلة , ومكانها الرأس , وفضيلتها الحكمة 

   2 - النفس الغضبية , ومكانها الصدر وفضيلتها الشجاعة            

 3 -النفس الشهوانية , ومكانها البطن , وفضيلتها العفة . 

 

  ويقول  أفلاطون 1 : تقوم صحة النفس ، وسلامتها على نجاح النفس العاقلة  ، في تحقيق التوازن ، بين مطالب النفس الغضبية , ومطالب النفس الشهوانية  ..

شبَّهَ أفلاطون  الإنسان بعربة يجرها حصانان : أحدهما النفس الغضبية ، والآخر  النفس الشهوانية , وتقودها النفس العاقلة , فإذا نجح قائد العربة في كبح  جماح  الحصانين  والسيطرة  على العربـة , تحققت  صحـة  النفس وسلامتها ,  وإذا فشل قائد العربة في التوازن ، تحطمت  العـربة , وكذا الصحة النفسية عند الإنسان ، تقـوم على قدرة القـوة العاقلة فيه ، على تحقيق التوازن بين  هاتين  القوتين  : ووهن الصحة  النفسية ، يدل علىعجز القوة العاقلة عن تحقيق ذلك .

     عدد أفلاطون الأنفس وجعلها ثلاثة ، وافترض صراعاً دائماً ، بين الأنفس الثلاثة  داخل الإنسان ، لا يرتاح ولا يهدأ له قرار ، ولا يجد استقراراً  أبداً  إلا بالمـوت ..

   والحقيقة تتعارض مع هذا الرأي . فالنفس واحدة ، غير متعددة ، تتغـير  صفاتها ، بما يعتريها من  تأثرات اجتماعية وثقافيـة ، وتربية روحية قال الإمام الغزالي :( نفس الإنسان وذاته توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ) [2] ..

   وأما افتراض الصراع الدائم ،  فغير مسلم به على اطلاقه ، فالنفس في هذا على مذاهب وحالات وصفات هي:       

1 -  النفس اللوامة :        2 – النفس الأمارة : 

3 – النفس الراضية المطمئنة :

 

   ويختلف الصراع بين الإدراكات العقلية والنفس ، حسب حالة النفس ، من  أمارة  إلى لوامة ، إلى راضية مطمئنة ..

 

وأما  القوة العاقلة :

 هي الإدراكات  العقلية ، فقد  منحها الله قوة  التوازن  بين  متطلبات  الروح كالعبادة  والزهد ، والأخلاق والفضيلة  ، والسمو بالجسد  المادي  إلى  عالم الملكوت ، ومتطلبات النفس المادية ، كالمرغبات والشهوات والأنانية ، والدنو  بالجسد  المادي  إلى  الإنحطاط  . 

 

1 -   النفس اللوامة         
هي التي  تكون وسطاً بين أمرين بين الخير والشر ، فهي تفعل الخير وتحبه ، وتعمل المعصية وتكرهها ، بل تميل إلى فعلها لتأثير عوامل اجتماعية أو بيئة عليها ، وتجدها إذا فعلت المعصية ، شعرت بالندم والحسرة ، وتلوم نفسها أي حال فعلها ، وتمنت أنها لم تفعلها ، وتوصف هذه النفس بالنفس اللوامة . وهذه الحالة في النفس يكون فيها صراعاً  بين الخير والشر في داخلها .         

 

     والإنسان في بداية أمره إذا ارتكب ذنبا , أو ارتكب خطيئة ، شعر في داخله بإحساس يؤنبـه ، لارتكابه ذلك الذنب ,  وهذا يظهر واضحاً جلياً ، عند  من  لم يرتكب ذنبا أو عملاً سيئاً قبل ذلك ، فإنه إذا ارتكب ذنباً أو خطيئة إبتداءً ، يشعر بمحاسب يحاسبه ويؤنبه , لماذا فعلت هذا , ويتمنى أنه لو لم يفعله ,  وإذا عاد  إليه ثانية ضعفت خاصية الشعور  بالذنب والخطيئة  ،  وضعفت النفس المؤنبة تدريجياً , وتستسلم لعنصر المادة الثقيل ، وينتقل صاحبها إلى مرحلـة  الميل  إلى  المعصيـة واستحسانها, وتصبح  المعصية أليفة نفسه ، وميزان أفعاله ، في هذه الحالة  تنتقل نفسه إلى نفس أمارة ..

      ومن الفطرة أن الإنسان حين يرتكب خطأً ، يشعر في داخله بشيء  يؤنبه ويلومه على فعله , وقد عبرنا عن  هذا  المؤنب والمحاسب بالنفس , وسماها الله بالنفس اللوامة ، وهي أيضاً تلوم صاحبها على فعل الخير إذا فاتها فعله  لِمَ   لَمْ  تفعله     .   وقد ذكر الله النفس اللوامة في القرآن الكريم  لما لها من تأثير طيب على صاحبها في تبديل حاله  من  الشر إلى الخير ومن الخطيئة  إلى  الطاعة , فقال تعالى  في  سورة  القيامة  1  (  لا أقسم بيوم  القيامة , و لا أقسم بالنفس اللوامة , أيحسب الإنسان  أن  لن نجمع عظامه  بلى قادرين على أن نُسَوِّي بنانه ) فقد أقسم الله بيوم القيامة لتحقيق وقوعه ، وبيان  هولـه ،  وإيقاظ النفوس النائمة  التائهة  والغافلة  عنه  ، فتصحو  وتتنبه من غفلتها وسباتها ، وقد ذكر الله النفس اللوامة  إثر قسمه بيوم القيامة للعلاقة الوثيقة بين مصير النفس وقيام  ذلك اليوم ، حيث تقف فيه وحيدة دون نصير من أهل وولد ومال ، وعن ذلك قال الله  في سورة الفرقان 88 { يوم لا ينفع  مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم  } وفي ذلك اليوم تذهل النفوس رهبةً وخوفاً ، يقول  الله  في سورة الحج  2 { يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  ولكن عذاب الله شـديد  }  وفيه تضطرب الأنفس وتفر  من أقرب  الأنفس  إليها ،  يقول  الله  في سورة عبسَ 36  { يوم يفر المرؤ من أخيه وأمه وأبيه  وصاحبته وبنيه } ثم يقول  في سورة المعارج 13 { يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه} فلعل هذه النفس  تتذكر وهْلَةَ  وشدَّة  ذلك اليوم ، وتتقيه بعمل صالح تفوز بسببه برضوان الله ، وقد أودع الله في النفس إحساساً دقيقاً يصحبها ليذكره ويحذره من الزلل والخطأ في جنب الله .  قال الحسن البصري رحمه الله  : إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمتي ؟ . وما أردت بأكلتي ؟ . ما أردت بحديث نفسي ؟ .

    وهذه النفس تلوم صاحبها على كل فعلِ شرٍ فعلَهُ ، أو فعلِ خيرٍ أعرَضَ عنه يقول عكرمة رضي الله عنه : تلوم على الخير والشر ، لو فعلت كذا وكذا  هذه النفس اللوامة المؤمنة التي تراقب  الله  في تصرفاتها  وأفعالها ، وتدفع صاحبها  إلى الخير , هي يقظة  تشعر بالخجل من فعل القبيح  أمام بني جنسها الإنسان ، ومن الله سبحانه حسب مركزها من الإيمان  بالله  . وهذه النفس يغلب عليها العودة  إلى رشدها ، ويكون  نهايتها  الرقي والكمال .

 وإن كانت كافرة راقبت الناس في ذلك , وخجلت ممن راقبته , واعتقدت  أنها أساءت إليه  . ويغيب فيها  المؤنب والمحاسب ، وتضعف  فيها الفطرة السليمة وتموت تلك  المراقبة فيها  تدريجيـاً ، إذا كرر صاحبها المعصية وأصر على ارتكابها ، حتى  تؤدي به  إلى حضيض الفساد , وتوصله  في  نهاية  مطافه إلى عدم مراعاة أحدٍ من الناس  ..

قال الحسن البصري :" وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه ."  .

    فإن النفس  تُعَـِللُ  فجورَها واستمرارَها في الخطأ والمعصية ، بنسبةِ كل ما يفعله الإنسان  إلى البيئةِ والمجتمع الذي يعيش فيه ، وقد حكى الله تعالى على لسان المشركين  في سورة الأعراف 28 - 29   { وإذا  فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا }  ينسب  المشركون  فعلهم  الفاحشة لآبائهم , ويَدَّعُون  أن الله أمرهم بفعلها , ولهذا أمر الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا بالحق فقال تعالى في نفس الآية {  قل إن الله لا يأمر  بالفحشاء أتقولون على   الله ما لا تعلمون .}

  وقال الله تعالى الأعراف 33 { قل  إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن , والإثم والبغي بغير الحق وأن  تشركوا بالله  ما لم  ينزل به سلطانا  وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) . هذه النفس التي تفقد الإحساس بالخطيئة والذنب هي النفس الأمار كما سنطالع معاً بإذن الله  

 

 

 

  2 - النفس الأمارة : 

 1 - حين تتغلب المعصية على النفس ، تتصف بها ، ويطلق عليها النفس الأمارة بالسوء ، لكونها تميل إلى السوء وحب العصيان ، والغفلة عن  الطاعة والعبادة .

   النفس الأمارة هي التي تأمر صاحبها بالمعصية , واستحسانها والتلذذ بفعلها , وكراهة الطاعـة ,  وتدعو إلى المعصية والخطيئة , مفتخرة بفعلها ، وتستهجن العفة والفضيلة .

وهذه النفس قد استحوذ عليها الشيطان ، وسيطر على ذوقها ، وأمات فيها عنصر الحياء والخجل ، وقد ذكرها الله في القرآن   الكريم  في سورة الشمس 7 - 10  : حيث قال تعالى { وقد خاب من دساها } أي غذاها بالفجور والخوض في المعصية,  والميل عن الفطرة السليمة  ، عن  طريق حاسة الهوى والشهوة , والإبتلاء بتغلغل الشيطان  فيها , فتصبح هذه النفس لا عدوَ  أعدَى لابن آدم  منها  .

    وهذه  النفس لا تريد الا  الدنيا ولا تحب الا الدنيا وتأخذ بالبـدن  إلى  الدنو لعالم   المادة  والشهوات  والملذات ,  وإلى  حب الرئاسة و الإستعلاء  على جنسها , و استغلال غيرها بالسيطرة والنفوذ ، وجمع  المال  الفاني  .  . 

ووصف الله اصحاب تلك القلوب والنفوس الضالة عن الحق والهدى قال تعالى في سورة الحج 46 { إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور }

   والغريب حقيقة ، أن أصحاب هذه النفس ، لا يرون حياة أفضل من حياتهم ، ويعتقدون أن المعصية والتلذذ بها ، هي السعادة ، وإذا فاتت أحدهم  أصابته الكآبة والغم ، وقد ينتحر نتيجة فشله في  اكتسابها ، ويطلق  أصحاب تلك النفوس العفنة على تلك الفحشاء والمعصية ، اسم الحضارة والتقدم ودونها تخلف ، ويصفون أصحاب النفوس المؤمنة العفيفة من أبناء مجتمعهم وبيئتهم بالغباء.

  روى الإمام مسلم في كتاب الإيمان (207 ) عن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تعرض الفتن على قلوبٍ كالحصير ، عوداً عوداً ، فأي قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سواءُ . وأي ُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بيضاءُ حتى تَصير على قلبين . على أبيض  مثل الصفا ، فلا تَضُر‍ُهُ فتنةٌ ما دامت السماواتُ والأرضُ ، والآخرُ أسودُ مُرْبادٌ كالكورِ مُجَحِياً ( منكوساً مائلاً ) لا يعرفُ معروفاً ، ولا ينكرُ منكراً ، إلاَّ ما أُشْرِبَ من هواه )  

   فإذا ابتليت النفس بمثل هذه الحالات المريضة ، فإنها  تؤثر على الروح ،  وتجرها في  متاهـات  الضلال  والإنحطاط  , وتهبط  الروح  مع  النفس عن منـزلتها  القيادية , ،  وتفقد  خاصيتها الكريمة , وتخسر كل شيء  قال تعالى في سورة  الشورى 45   ( إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم  يوم  القيامة ) فكان  سبب خسرانهم  تكبرهم  وعتوهم  في  الأرض قال تعالى في سـورة الفرقان  21  (  لقد استكبروا  في أنفسهم  وعتو  عتواً  كبيرً ا  )  فجحدوا  أنعم الله  قال تعالى  في سورة  العنكبوت  40  (  وما كان   الله  ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) فاستحقوا العذاب والعقاب بظلمهم أنفسهم  ... 

 

 

 

 

 

             3  -      النفس المطمئنة 

     هي نفس تحب الخير وتفعله ، وتكره المعصية وتجتنبها فعلاً وقولاً ، ولا تشعر بالسعادة إلا بفعل الخير والطاعة لله ، وتوصف هذه النفس بالنفس الراضية المطمئنة . 

 والنفس في الإسلام في غاية الراحة والإطمـئان ، إذا تحققت في طاعة خالقها ، وصدق الإيمان بالله الواحد سبحانه وتعالى …

  وإن أعلى  مرتبه تنالها النفس ، هي مرتبة الإطمئنان والرضى ، فإذا تحققت النفس بهذه المنزلة ، كان صاحبها فعلاً عبداً لله ، ومنقطعاً عن دعوى  الإستقلال لنفسه ، وراضياً بما  هو الحق ، وراضياً بكل ما يأتي مـن  ربـه مستسلماً إليه بكامل الرضا والقناعة ، وهي منزلة العبودية  الخالصة  لله رب العالمين ،  وهي  أعلى  المراتب . وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم  يقوم  من  الليل حتى  تتفطر قدماه  ، فقلت له   : لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : أفلا أكون عبداَ شكوراً ) .

والنفس  الراضية  المرضية , التي عناها الله في سورة الفجر 27 (    يا  أيها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) تدخل النفس المطمئنة في  زمرة عباد  الله الصالحـين  الذين تتحقق فيهم صفات العبودية  الخالصة , وذلك حـين تسمو بأعمالها  الصالحة النابعة من حقيقة الروح .  

   والروح في حقيقتها وطبيعتها السمو ,  إذا فاقت  النفس تسمو بالبدن  الى عالم  الملكوت , عالم  الملائكة  والمثال , بطاعـة  لله وعبادته , وتحتـل بالنفس منزلة  الإ طمئنان  بالكمال  والرقي الإنساني ,  فلا تفعل ما إلاَّ تيقن وتأكد من صلاحيته ، مبتعدة عن ريب أوشك ، روى الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم  ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) باليقين في  فعلها تتوقى الشك ، وتعمل اليقين ،  مُطْمَئِنَةً بكل ما تفعله ، راضِيَةً بما قسم الله لها ، مرْضيَةً  لله خالقها سبحانه كما بينا آنفا ، ثم  قال الله تعالى في سورة السجد 16 { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون } .

 ولهذه النفس  صفات  تتحلى بها  وهي الورع , والإخلاص ، قال الله تعالى في سورة الرعد 28  { الذين آمنـوا  وتطمئن قلوبهم بذكر الله  ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب } لا يجد الذاكر لذة أعلى من لذة الذكر لله ، ولا يجد راحة واطمئناناً أكثر من ساعة الذكر ، إنه مع خالقه  مالك  الكائنات يذكره ويحاكيه ويجالسه ، ومـن أعز ممن يحاكي ويجالس هذا المالك العظيم ولو عرف الملوك  وأصحاب المناصب  الدنيوية ما عليه  الذاكرون  من  لذة لجالدوهم  عليها  بالسيف والقـوة ، ولكن الشيطان شغل أهل الدنيا بدنياهم ، والملوك ببهجة الرئاسـة والقيـادة  ، وأصحاب الأموال بأموالهم ، فتراهم منهمكين بما شغلهم شيطانهم  بـه  ، يخافون  ضياعه ، وهم في غفلة عن حقيقتهم وحقيقة حياتهم القصيرة الزائلة ، غافلين عن الساعة  التي  يُلَفُّون بخرقة ، ويُوضَعون  في  حفرة  ، لا تزيد عن مترين بمتر ، وقد تركوا ما كانوا  يتحاسدون ويقتتلون من أجله في هذه الدنيا التي هي أحقر عند الله من جيفة ملقاة في فلاة  

روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مرَّ بالسوقِ داخلاً من بعض العالية والناس كنفته ، فمرَّ بجديٍّ أسكَّ  ميِّتٍ ، فتناوله فأخذ بأذنه ، ثم قال : أيُّكُم  يحبُ أنَّ هذا  له بدرهمٍ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيءٍ وما نصنع به ، قال : أتحبـون أنه لكم  قالوا :  والله لو كان حياً كان  عيباً فيه لأنه أسَكُّ ، فكيف وهو ميتٌ ، فقال : فو الله للدنيا أهون علىالله من هذا عليكم ) ..

وأما أصحاب النفوس المطمئنة الراضية ، فإنهم  عرفوا حقيقة  الدنيا وزينتها ، فاستهانوا بها  ، وسمت نفوسهم  بالإنشغال عنها  بعمارة  عالم الآخرة  الباقية الخالدة ، فخضعت لهم الدنيا ، وكانت لهم  أعلى المنازل والدرجات فيها ، وهي  الراحة والطمأنينة  ، ونالوا في الموت راحـة وسعادة ، لما أعدوا ليوم  يجمع الله فيه الناس ليواجهوا أعمالهم ، ولا منزلة أعلى منهم وقت ذاك ، إنهم أصحاب اليمين ، الذين عناهم الله  .‎‏ فقال تعالى  في سورة الواقعة ‏‎ ‎من الآية رقم  10‏‏  ‎‎‎{  السابقون السابقون  أؤلئك  المقربون , في جنات النعيم‎ ,  ‎‎‎‎ثلة من الأولين , وقليل من الآخرين  , على سرر  موضونة ‏‎ , ‎‎‎‎متكئين  عليها  متقابلين  , يطوف  عليهم  ولدان  مخلدون‎ , ‎‎‎‎بأكواب وأباريق وكأس من معين , لا يصدعون عنها ولا ينزفون‎, ‎  وفاكهة  مما يتخيرون  , ولحم طير مما يشتهون , وحور عين كأمثال  اللؤلؤ المكنون , جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون  فيها لغوا ولا  تأثيماً, إلاَّ قيلاً سلاماً سلامًا, وأصحاب اليمن  ما أصحاب اليمين , في سدرٍ مخضودٍ ، وطلحٍ منضودٍ , وظلٍ ممدودٍ وماء مسكوب , وفاكهة كثيرة , لامقطوعة  ولاممنوعة , وفرش مرفوعة‎ ‎ }

   هذا البيان لمنزلة  أهل  النفوس  الراضية المطمئنة ‏ من رب العالمين ،  وهو أصـدق القائلين , وهذا رسول  الله  صلى  الله  عليه وسلم يخبرنا . كما  روى  البخاري  ومسلم  في صحيحهما عن أبي‏‏‎ ‎ هريرة رضيالله    عنه قال : قال رسول   الله‎ ‎صلى الله عليه وسلم قال  ‎‎‎ الله‎ ‎‏ عزوجل‎ : ‎‎‏أعددت لعبادي الصالحين , مالا عين  رأت ولا أذن ‏سمعت, ولا خطر على  قلب  بشر ) قال  أبو  هريرة رضي الله عنه‎ : ‎ اقرأوا   إن ‏شئتم   ( فلا تعلم نفس ما أخفي  لهم  من‎ ‎‏ قرة  أعين )  سورة‎ ‎السجدة آية  17‏‎ .‎      ..

وكذلك قال  أبو هريرة رضي الله عنه  قال : :‎قال رسول‎ ‎الله صلى الله  عليه وسلم‏‎ : ‎لما خلق‎ ‎الله الجنة‎ , ‎قال لجبريل اذهب فانظر اليها فقال‎:‎‏ أي رب  وعزتك لا يسمع‎ ‎ بها  أحد الا دخلها  , ثم حفها بالمكاره  , ثم قال  يا جبريل . اذهب فانظر‏‎ ‎ ‎اليها فذهب ونظر اليها , فقال : رب لقد خشيت‏‎ ‎‏ أنلا يدخلها أحد ) ‎‎‎‎ وروى  الامام  مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن‏   النبي  صلى الله عليه وسلم قال :  إن في  الجنة‏  مائـة  درجـة  ما بين كل درجتين كما بين  السماء   ‏والأرض , والفردوس أعلاها‎ ‎درجة  ومن فوقها‎ ‎‎‏ العرش , ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة‎ , ‎فإذا سألتم‎ ‎‏ الله فأسألوه  الفردوس ) وبلوغ منزلة الفردس التي أرشدنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتاج  إلى تزكية  النفس وطهارتها من دنس الجاهلية والعصيان لله ، وكثرت العبادة والذكر ، وصدق الطاعة المراقبة لله  ، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، واجتناب الشبهات ،  و المؤمن على يقين من ربه سبحانه ، يتقي في عمله ومأكله ومشربه الشبهات محققاً في حياته قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم ( فمن اتقى الشبهات  استبرأ  لدينه وعرضه (1 ) وعبد الله عبادة اليقين الخالصة ، وراقبه  في تصرفاته خلال حياته العملية كأنه يراه لقو له صلى الله عليه وسلم ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم  تراه فإنه يراك ( 2 ) هذا هو صاحب النفس  المطمئنة والذي يستحق منزلة الفردوس التي أرشدنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

 

 

 

 

 

7 -   أثر العبادات في تهذيب الروح والنفس :

 

 إن أفضل الطرق لتطهير النفس وسمو الروح هي الصلاة لله ليلاً أو نهاراً ، حيث بها يتخلص مكن أد

ران المعاصي والذنوب قال الله تعالى في سورة العنكبوت 45 { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }

في الصحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله نحندٌ صلى الله عليه وسلم :  مثل الصلوات الخمس  ، كمثل نهرٍ جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يومً خمسُ مرات "

وفي الصحيحين برواية أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيتم لو  أنَّ نهراً بباب أحدكم ، يغتسل منه كلَّ يوم خمس مرلات هل يبقى منم درنه شيءٌ ؟ . قالوا : لا يبقى من درنه ، قال : فبذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا 

ذكر ابن أبي الدنيا " الدر المنثور ج1   أنه "  ( كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أما بعد : فإن لأهل التقوى علامات يُعْرَفُون بها ، ويَعْرِفونها من أنفسهم من صبر على البلاء ورضى بالقضاء وشكر النعماء وذل لحكم القرآن 

   وذكر ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية " (  قال ميمون بن مهران : لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدَّ من محاسبة شريكه حتى يعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ، ومن أين ملبسه أمن حلٍ أم من حرام

وأخرج الإمام أحمد ر-حمه الله والبيهقي والبغوي والنسائي : عن رجل من أهل البادية قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم  بيدي فجعل يعلمني مما علمه الله فكان فيما حفظت عنه قال : إنك لن تدع شيئاً إتقاءً لله إلاَّ أعطالك الله خيراً منه  . "

 

وكذا عن ابن أبي الدنيا وابن أبي شيبة وابن حاتم كما في الدر المنثور (ج5 – 25 ) " قال طلق بن حبيب رحمه الله : التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله " )

وفي الدر المنثور قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه " ليس تقوى الله بصيام النهار ، وقيام الليل ، والتخليط فيما بين ذلك ، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله ،  وأداء ما افترض الله ، فمن رزق بعد ذلك خير فهو خير إلى خير  " )     

سئل أبو هريرة عن التقوى فقال للسائل : هل أخذت طريقاً ذا شوك ؟   .

   قال : نعم . قال : فكيف صنعت ؟ .  إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه . قال ذاك التقوى   " )  

   العبادات هي بأنواعها وأقسامها من أسلم الطرق لتهذيب الروح وسموها بالنفس إلى عالم المثال ، والتدؤج في ملكوت الله سبحانه وتعالى ، فمثلاً : 

1 - الصلاة : التي هي صلة العبد المصلي بربه سبحانه وتعالى ، ولا يمكن أن تأتي الصلاة ثمارها وفائدتها في تربية الروح  وسموها عن متعلقات البدن المادي إلا إذا أقام  الصلاة بخشوع ويقظة القلب ، بعيداً عن الغفلة فيما في الصلاة من أفعال وأقوال لقوله تعالى في سورة طه 14 ٍ " وأقم الصلاة لذكري " والذكر هو اليقظة وعكسها الغفلة قال تعالى في سورة الأعراف 205 " ولا تكن من الغافلين " هذا نهي عن الغفلة وظاهره تحريم الغفلة ، فكيف يقال لمن  غفل في صلاته أنه صلى ، فالصلاة تكون باليقظة وحضور القلب ليفهم معاني الأفعال والأقوال التي يقوم بها المصلي لقوله تعالى في سورة النساء 43 " حتى تعلموا ما تقولون "  وفي الحديث رواه الإمام النسائي في سننه قوله صلى الله عليه وسلم " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والنكر لم يزدد من الله إلا بعداً " وروى الإمام أحمد في مسنده  قوله صلى الله عليه وسلم " كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب " هذا هو الغافل في صلاته المنهمك في التفكر في الدنيا ومتعلقاتها .

والصلاة مناجاة لله تبارك تعالى فيها ذكر وقراءة ، وركوع وسجود ، وقيام وقعود ، ففي الذكر محاورة وخطاب ومناجاة مع الله عز وجل ، والمراد من الركوع والسجود هو التظيم لله حصراً ، وقد خصت هذه الفعال لتعظيم الله دون غيره ، وقا استعارها الكفرة الجهلة

ثم نجد رسول الإسلام بحكمة بالغة يلهمه الله إياها يخص صلاة الفجر دون غيرها في إطالة قراءة القرآن في الصلاة ، وهذا ابن القيم الجوزي يقول في كتابه اعلام الموقعين ج2 ص137 " . الفرق بين صلاة الليل وصلاة النهار : " فإن الليل مظنة هدوء الأصوات وسكون الحركات وفراغ القلوب ، واجتماع الهمم المشتتة بالنهار ، فالنهار محل السبح الطويل بالقلب والبدن ، والليل محل مواطأة القلب للسان ، ومواطأة اللسان للأذن ، ولهذا كانت السنة تطولقراءة الفجر ،على الصلوات ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها الستين إلى المئة ، وكان الصديق يقرأ فيها الابقرة ، وكان عمر بالنحل وهود وبني اسرائيل ويونس ونحوها من السور ، لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم  ، فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله  الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خالياً من الشواغل فتمكن فيه من غير مزاحم .

      وأما النهار فلما كان بِضِدِّ  ذلك كانت قراءة صلاته سرية إلاَّ إذا عارض في ذلك معارض أرجح منه ( المجامع العظام في العيدين والجمعة والإستسقاء والكسوف فإن الجهر حينئذٍ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود ، وأنفع للجمع وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام  ما هو أ‘ظم مقاصد الرسالة والله أعلم .

  "

الصوم : هو قاهر لشهوة النفس والشديد عليها . والمهذب لها من شوائب المداة وصفائها مع الروح ، ومطهرة من الذنوب وقد روي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه  .

  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله " محمد " صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل : ( حديث قدسي ) كل عنمل ابن آدم له إلاَّ الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنَّةٌ ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يصخب ، فإن سابه أحدٌ أو قاتله فليقل إني صائم ، والذي نفسُ محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسكِ ، للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرحَ ، وإذا لقي ربه فرح بصومه . هذا الحديث في الصحيحين واللفظ للبخاري .   

والحج : أفعاله شاقة وشديدة فيه المجاهدة  

 

 

8 – خاتمة البحث

 

إن ما قدمته هو بيان عملي قد اتفق عليه علماء الإسلام سلفاًَ خلفاً  ، وذلك أن الإسلام دين الله سبحانه الذي سن تشريعاته بنفسه وأنرلها على رسله وأنبيائه جميعاً ، وهذه التعاليم لا تحتاج فلسفة متفلسف ، وعبارات منمقة بل هي حقائق نقدمها تصحيحاً لمن فهم أن تربية الروح والنفس تحتاج إلى قوانين فلسفية ، بل تحتاج حقيقة إلى معرفة الله وعبادته عن علم ومعرفة ، بعديه عن الرهبنة ، وحرمان  النفيس ما أحله الله ، والذي يجب أن يكون هو الإبتعاد عن المحرمان من المأكل والمشرب ، وعن الأفعال القبيحة التي تنتهك حرمات الإنسانية ، وأخيراً يقول الإسلام :  لا رهبانية في الإسلام ، بل طاعة لله واتباع لتشريعه الحكيم فهو أعلم بما يسعد المخلوقات بكونه خالقها ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  - كتاب إحياء علوم الدين ج 3 صفحة 5 للإمام حامد الغزالي رحمه الله .

1  - المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربيوية لمقال  أثر الإسلام على منهجية البحث: د . سوسن مصطفى عوض الكريم ص984 ( محمد ومرسي 1986 

وقد عدد بعض علماء الإسلام النفس ، والذي أفهمه من تعدادهم هو اختلاف صفاتها وحالاتها كما أشرنا إليه أنظر كتاب الروح لابن القيم رحمه ، .

 [2]  -  كتاب إحياء علوم الدين للإمام حامد الغزالي ج 3 صفحة 5 .

 

 

 

1 - رواه البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه   2 - رواه البخاري عن أبي هريرة رقم 48 ، الإيمان بحديث طويل  ( حديث جبريل عليه السلام ) ورواه مسلم أيضا في الإيمان رقم 10 )